محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

115

الإنجاد في أبواب الجهاد

الرجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ ، ثم يقول : « أيهما أكثر أخذاً للقرآن ؟ » فإذا أشير له إلى أحدهما ، قَدَّمه في اللَّحد ، وقال : « أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة » ، وأمر بدفنهم في دمائهم ، ولم يُغسَّلُوا ، ولم يُصلِّ عليهم . وخرَّج أبو داود ( 1 ) ، عن أنس ، أن شهداء أحد لم يُغسَّلوا ، ودُفنوا بدمائهم ، ولم يُصلَّ عليهم . وذهبَ أبو حنيفة وأصحابه ( 2 ) ؛ إلى أنه يُصلَّى على الشهيد ، ولا تتركُ الصلاة على مسلم ، كان شهيداً أو غير شهيد ، وهو قول ابن أبي ليلى ، والثوري ، والحسن ابن صالح ، والأوزاعي ، وغيرهم ، واستدلوا على ذلك بما وجب في الأصل من الصلاة على من مات من المسلمين ، وعارضوا الروايات الواردة في شهداءِ أحدٍ ؛ أنهم لم يُصلَّ عليهم برواياتٍ أُخر فيها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى على شهداء أحد ( 3 ) ، وفي بعضها أنه صلَّى على حمزة سبعين صلاة ( 4 ) .

--> ( 1 ) في « سننه » في كتاب الجنائز ( باب في الشهيد يغسل ) ( رقم 3135 ) . وهو حديث حسن . ( 2 ) « الأصل » ( 1 / 410 ) ، « رؤوس المسائل » ( 193 ) ، « القدوري » ( 19 ) ، « المبسوط » ( 2 / 49 ) ، « تحفة الفقهاء » ( 1 / 405 ) ، « الهداية » ( 1 / 94 ) ، « مختصر الطحاوي » ( 41 ) ، « اللُّباب » ( 2 / 49 ) ، « مختصر اختلاف العلماء » ( 1 / 396 - 398 ) ، « النتف في الفتاوى » ( 1 / 120 ) ، « رمز الحقائق » ( 1 / 67 ) ، « إعلاء السنن » ( 8 / 306 ) . ( 3 ) ودليل ذلك حديث عقبة بن عامر ، قال : صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أُحد بعد ثماني سنين ، كالمودّع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر ، فقال : « إني بين أيديكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وإنَّ موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها » . قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . أخرجه البخاري في المغازي ( باب غزوة أحد ) ( رقم 4042 ) ، ومسلم في كتاب الفضائل ( باب إثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصفاته ) ( رقم 2296 ) . وأخرج البخاري نحوه ( 1344 و 3596 و 6426 و 6590 ) . ( 4 ) رواه أبو داود في « المراسيل » ( 46 ) ، وابن أبي شيبة ( 3 / 116 ) ، والدارقطني ( 2 / 78 ) - ومن طريقه ابن الجوزي في « التحقيق » ( 4 / 236 رقم 1011 ) - ، والبيهقي في « معرفة السنن والآثار » ( 5 / 7435 ) ، وفي « السنن الكبرى » ( 4 / 12 ) ، والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 1 / 290 ) ، من طرقٍ عن حصينٍ ، عن أبي مالكٍ ، قال : كان يُجاء بقتلى أحدٍ ، تسعة وحمزة عاشرهم ، فيُصلِّي عليهم =